الاثنين، 31 ديسمبر 2012

قصة قصيرة - اللوحة

"هيا، سنتحرك الآن! أسرع!"

كانت هذه كلمات أمي قبل ذهابنا لزيارة جدي و جدتي. كانا يعيشان في بيت قديم، عفا عليه الزمن، و لكنك كنت دائما تحس بأصالته، و تشتم فيه رائحة طفولتك على الدوام... كأنه بوابة إلى زمنٍ آخر. فور وصولنا خرجت من السيارة و ركضت داخل البيت لأتجنب البرد. بعد تحيتي لجدي و جدتي، و في هذا البرد القارص جلست بجانب المدفأة، لعلها تدفئ أطرافي و تعيد الحياة إلى روحي. جلست أتأمل في ألسنة اللهب الصغيرة و هي تتمايل و تتراقص حول بعضها البعض. تذكرت ذكريات من طفولة مهجورة، و كأن الذكريات كلها مغطاة بشباك العنكبوت و الظلام الحالك.

دخلت كهف ذكرياتٍ كنت أظنه كهفي، و لكني لا أترك ذكرياتي في كهوف. من صاحب هذا الكهف؟ دخلت لأستكشف المكان، لعلِّي أستدل على أي شئ. رأيت خفافيش تطير، و تذكرت أنها تعيش بجانب فتحات الكهوف، فتبعتها حتى وجدت المخرج و خرجت. وجدت نفسي في بلدة أوروبية صغيرة، قد تكون انجليزية... نعم، اني غالبًا في انجلترا، فالسكان يتحدثون بالانجليزية حولي. الشوارع كلها صغيرةو غير مرصوفة، و البيوت مبنية من حجارة و ليس من أسمنت... و كأنني عدت في الزمن!

سمعت أمَّا تحدث ابنها الشاب و هو يستعد للخروج:

"لا تنس معطفك يا بني!"
"حاضر يا أمي!"
"و لا تنسَ أن تحضر معك فحمًا للمدفأة، فقد أوشك الفحم على النفاذ عندنا!"
"حاضر يا أمي؛ مع السلامة!"

ذهب راكضًا إلى آخر الشارع، بينما أتى رجل آخر في عكس اتجاه الشاب. يبدو أنه في أواخر العقد السادس من عمره، فمشيه بطئ و علامات الحكمة التي رسمها الزمن على زجهه واضحة. ذكرتني ملامح ذلك الرجل بجدي... لحيته ناصعة البياض، و تعابيره سمحة... هل أعرفه يا ترى؟ لماذا أظن أني قابلته من قبل؟

اتجهت ناحية الرجل لأسأله، و لكن، قبل أن أصل إليه ببضعة أمتار، وجدت نفسي مستلقيًا على ظهري في ظلمة الكهف مرَّةً أخرى. ما الذي يحدث؟! قمت بسرعة و نظفت ظهري، و أنا أنظر حولي في كل اتجاه فلا أرى شيئًا لحلكة الظلام، و قلبي ينبض منذرًا بالخطر. الصمت كان رهيبًا... لم أجد أية خفافيش هذه المرة، و صوت الهدوء كاد أن يقتلني... كان كالخيط الحاد، يلتف حزل عنقي ببطء و حذر.

و في لحظة واحدة، سمعت خُطى أقدام، فالتففت بسرعة لأنظر! رأيت شخصًا قادمًا تجاهي، و معه مصباح... مصدر النور الوحيد في هذا الظلام.

سألته سريعًا، "من أنت؟ و أين أنا؟!"
خطى آخر خطواته و توقف لييجيبني، فقال: "أنا المسؤول عن هذا الكهف... لأ يوجد أحد غيري هنا. أما بالنسبة لسؤالك الثاني، فأنا لا أعرف. أنا لم أخرج أبدًا من هذا الكهف، و لكني أعرف أني في كهف... فقدت نظري منذ زمن، و الآن أنا أحمل المصباح."
"و لكن، لماذا تحمل المصباح إن كنت فاقدًا لبصرك؟"
قهقه قهقهة بسيطة ثم قال: "ليستدل به من هو غيري... قد لا أحتاجه أنا، و لكن ماذا عن من هو دوني؟"
تعجبت لأمره لوهلة، و لكن، قبل أن أسأل سؤالاً آخر، وجدت نفسي أختفي من الكهف و أظهر في مكان آخر. هل أصابني الجنون؟! 

وجدت نفسي الآن أمام منزل يبدو قديمًا و متهالكًا، و كان يحترق. ماذا يحدث؟

جريت حتى أنقذ من بالبيت، و لكن قبل أن أصل، سقطُّ مرَّة أخرى فوجدت نفسي في الكهف، و الشيخ الكبير أمامي... لم أعرف ما الذي كان يجب أن أسأله. طلبت منه أن يفسر لي ماهية هذا الكهف بالظبط.

"اسمع يا ولدي... في قديم الزمان، كان هناك صبيًا صغيرًا مليئا بالحياة. و لكن للأسف، كان لهذا الطفل والدان لا يطيقان بعضهما البعض.  في يومٍ من الأيام قررت هذه العائلة الهجرة إلى مكانٍ آخر، فذهبوا في طريق ما بين الجبال... آهٍ لو كانوا يعرفون ماذا سيحدث. عندما هبط الليل عليهم، نصحهم الأب بأن يناموا في كهفٍ حتى يرتاحوا. و مع تقدم وطأة الليل، قام الأب من منامه و اتجه بهدوء و خفة نحو زوجته، و بدأ يخنقها. استقيظت الزوجة في لحظة، و بدأت تصرخ و تصيح بأعلى صوتها. خرجت الخفافيش كلها مفزوعة من الصوت، و كأن الموت وباء هبط على كل من كان في الكهف في تلك الساعة. في محاولة لتحرير نفسها من قبضة زوجها المميتة، أمسكت الزوجة بحجر طرفه حاد، و مع أنفاسها و صرخاتها الأخيرة، قتلت زوجها بذلك الحجر، ثم ماتت هي مع صرخة أخيرة هزت الجبال... و في تلك اللحظة بالضبط، حدث انهيار صخري سد مدخل الكهف."

صمت العجوز لفترة ثم أردف: "بقى الطفل متجمدًا مكانه، لا يعرف ماذا يفعل... فقد شاهد والديه يقتلان بعضهما البعض منذ لحظات، ثم ترك وحيدًا، محبوسًا، يتيمًا، في هذا الكهف... و كأن لعنة السماء نزلت عليه. لم يكن معه إلا مصباح تركه والديه. بقي الطفل يبكي في حسرة لامتناهية، حتى فقد بصره."

عجز لساني عن الكلام طوال هذه الفترة لدهشتي، و لكني فجأة سألت الرجل: "و هل أنت ذاك الطفل؟!"

ابتسم ابتسامة يملأها الأسى و الألم، و لكنه لم يجبني.

"ماذا عن الرؤى التي أراها؟ ما تفسيرك لها؟"

"إنها رؤى من حياتي قبل أن أدخل هذا الكهف... لعلَّها تدلك على طريق الخروج."

و في لحظة واحدة، و كأن شيئًا لم يكن، تلاشى الرجل و الكهف و عدت إلى أرض الواقع، في بيت جدي و جدتي، و أنا جالس أتأمل في ألسنة اللهب الصغيرة و هي تتمايل و تتراقص حول بعضها البعض. نظرت فوق المدفأة، و لدهشتي، رأيت لوحةً للرجل الذي قابلته في الكهف! التففت سريعًا و سألت جدي، "جدي، هل تعرف من هذا الرجل المرسوم في هذه اللوحة؟"

أجابني جدي قائلاً: "لا، و لكنه يبدو حزينًا..."


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق